إلى أبي
و
إلى أسامة
الصرخة
أختي صرخت في الليل:
خذوني إلى بيت أخي
وهناك صرخت في الليل نفسه:
لا لا أعيدوني إلى بيت أبي
أعادوها
وعندما همّت بالصراخ ثانية
كان الليل قد مضى
والرجال ذهبوا إلى العمل.
أختي صرخت في الليل:
خذوني إلى بيت أبي
أخذوها
وهناك صرخت
لا لا أعيدوني إلى بيت زوجي
أعادوها
وعندما همّت بالصراخ ثانية
كان الليل قد مضى
والرجال ذهبوا إلى العمل.
أختي
لم تعد تصرخ منذ أعوام
فقط تسير في الشارع
تلقي نظرة على كل بيت يقابلها
وتحلم أنها تصرخ في الليل
وأنهم يأخذونها و يعيدونها
في طريق لاأوّل له و لا آخر.
في الطريق مشت
التقت جثة ملقاة على الجانب
بثقب في الصدر تسيل منه الدماء
سريعاً
صنعت عجينة من لعاب و تراب
وسدّت الثقب
تنفست الجثة
وقامت على قدمَى هيكل عظميّ
قبّلتها وعادت إلى مكانها.
أختي
صرخت في الليل:
خذوني إلى الطريق
صرخت والليل كان يمضي
والرجال يذهبون إلى العمل.
……………
الكتاب
كيف لا يمكن لها
أن تقرأ ما أكتبه
كيف تنتظر وراء الباب
ليمرّ أحد
يعطيها بعض الكلمات
الكلمات الغريبة الغامضة.
إلا أنها تنصت و تبتسم
كأنها كانت هناك معي
في الخامسة صباحاً،
كأنّ يدها
حرّكت بعض الكلمات
نقلتها من أماكن خاطئة
نقلتها ومضت إلى النوم.
لكن كيف لا يمكن لها
أن تقرأ ما خطّته يداها بالأمس
كيف لا يمكن لها أن تفتح البلكونة
في الصباح
مستقبلةً الشمس
وبيدها اليسرى نسخة من الكتاب
تقرأها بتمهّل
وتغمز بعينيها للجارات
مشيرة إلى ابنها صانع الكلمات
ملوّحة بالكتاب في أعينهن
خمس مرات
وهي تتمتم
بكلمات غريبة غامضة.
……………..
دابّة الأرض
البيت. زحزحناه مسافة بعيدة، أبعد مما قدرنا، ثبّتناه بحوامل هوائية ليمكن السير داخله برأس مقلوبة تتمعن كلّ بلاطة على حدة، ففجأةً جاء الوقت، الوقت الكثير، لمعاينة الكرسيّ الذي يتآكل وهو يذيب نتفة من سلسلة الظهر. بعد أيام أطول سيبقى القائم الأماميّ الأيسر مسنوداً على عظمة الساق.
……………….
الحقل
تبادلوا حبّات البطيخ كأمهراللاعبين، تبادلوها في حركات سريعة. أربعة رجال في الحقل الشاسع. كلّ واحد ينتطر الخطأ. الخطأ الذي يفتّت حياة الفاكهة ويترك صاحبه خزيان وسط استنكارات لا يحتملها ذلك التراب الذي يحمي الجذور والمياه ولا يحمي الرجال. حبات البطيخ الطائرة في الصبيحة تلفّ وتدور، تعبر الرؤوس والأشجار. والرجال صارت عيونهم واسعة وخضراء. كرات من الخضرة تلفّ وتدور، تستقبل أوّل شمس وتودّع آخر قمر.
……………
الحبال
في قاع النهر
الجافّ
تحت جسر العذراء
أجلس وحيداً.
بالأعلى يقف أصدقائي
يلقون إليّ حبلاً مجدولاً.
أصدقائي يتماسكون
ويلقون الحبل
أتشبث جيداً وأصعد.
في ربع المسافة يطفر الدم
من أصابعي
فألوّث الحبل.
أصدقائي لا يحبّون الدماء.
أصدقائي يفلتون الحبل
ويمضون آسفين.
يدي اليمنى
تلطّخ الدرابزين الحجريّ
في طريقي من قاع النهر
إلى الجسر
حيث لا أعرف أحداً في هذا الليل.
………….
جارتي تموت
مضى القطار سريعا قبل مدخل النفق. المرأة بمحاذاة النافذة وشعرها لا يتطاير ترى حياتها يوماً بعد يوم، متى ولدوها، كيف أدخلوا قدميها في الحذاء، من لعقَ رقبتها. كان الجهاز يعمل بجنون، من المرجّح أنه يبدأ في التكوّن قبل الرحيل مباشرة يكافحه المرء، أحياناً يتجاهله يقول إنه سمع مثل هذه التردّدات وأحسّ ذبذبات مشابهة وبزيادتها يفلت الأمر من يده فيبدأ في ترتيب الأمور ويحدث أحياناً أن يصرخ مختصراً أعماله في جملة طويلة يؤكّد على كلّ حرف فيها، وأحياناً يكون الجهاز مشوّشاً تختلط عليه الموجات ما إن يبدأ في تصنيفها وترتيبها حتى تنهمر عليه من كلّ صوب. كنت واقفاً بعيداً من النفق بمسافة بدت لي كبيرة ألوّح لها بيدي لأدخل ككومبارس صامت في فيلمها الطويل. لوّحت بقوّة عام كامل في عدّة ثوانٍ حتى أطاحني هواء القطار دون حتى أن تراني. كيف أذيب ذراعاً لينسلّ مع الهواء ملوّحاً لها، كيف تطير شفتاي على يدها العالقة بالشباك، على أنفها البعيد كيف… كيف ألحق بحياتها الفانية؟
………………..
الصيف
في الصيف، نمضي نحن الخمسة،
إلي السور المظلل بأشجار لم نعرفها أبداً.
سور المدرسة الألمانية للراهبات.
ومن الفرجة الضيّقة التي صنعناها بصبرٍ
نتبادل التحديق في الشقراوات،
تلك الكائنات الغريبة التي تلهو في الفناء
وتتزحلق على جبل من الثلج
كذلك الذي يأتون به في الأفراح ملفوفاً بالخيش.
متدثرات بأصواف وأحذية ثقيلة.
بخار الماء يندفع من أفواههن كدخان سيجارة،
أفواههن الحمراء كالطماطم
ونحن نلهث بشفاهنا المشقّقة نتنسّم هواءً بارداً
في ظهيرة مدينتنا الكبيرة.
…………………..
الذئبة
